البعد الاقتصادي والتكنولوجي في الصراع الأمريكي الصيني: خلال إدارة دونالد ترامب
The Economic and Technological Dimension of the U.S.–China Conflict During the Trump Administration
أحمد سالم عزيز1، الأستاذ الدكتور محمد منذر1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj69/44
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/69/44
المجلد (6) العدد (9). الصفحات: 692 - 704
تاريخ الاستقبال: 2025-08-07 | تاريخ القبول: 2025-08-15 | تاريخ النشر: 2025-09-01
المستخلص: يتناول هذا البحث تحليل البعد الاقتصادي والتكنولوجي في الصراع الأمريكي–الصيني خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتبارها مرحلة مفصلية شهدت تحوّل العلاقات بين القوتين إلى مواجهة متعددة الأبعاد تمزج بين الاقتصاد، التكنولوجيا، والسياسة. انطلقت الدراسة من فرضية أن الحرب التجارية التي اندلعت عام 2018 لم تكن نزاعًا اقتصاديًا بحتًا، بل كانت تعبيرًا عن صراع استراتيجي على قيادة النظام الدولي في ظل الثورة الصناعية الرابعة. اعتمدت الدراسة المنهج التاريخي لمتابعة تطور العلاقات بين البلدين منذ إدارة أوباما، والمنهج التحليلي لتفسير سياسات ترامب الحمائية وإجراءات الصين المضادة. وخلصت إلى أن السياسات الأمريكية التي فرضت قيودًا جمركية وعقوبات على الشركات الصينية، خصوصًا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي، هدفت إلى كبح التفوق التكنولوجي الصيني، في حين تبنت الصين استراتيجيات مضادة عبر تعزيز مبادرة "الحزام والطريق" وتوسيع تحالفاتها الاقتصادية والعسكرية. أظهرت النتائج أن الصراع بين الطرفين تجاوز التجارة ليشمل السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء الإلكتروني، ما أدى إلى بروز ما يشبه "الحرب الباردة الجديدة" بين نظامين اقتصاديين وسياسيين متباينين. كما بينت الدراسة أن استمرار التصعيد بين واشنطن وبكين يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي العالمي، ويستدعي تبني سياسات أكثر توازنًا تقوم على الحوار والتعاون بدلاً من المواجهة والصراع. واختتم البحث بتوصيات أبرزها: ضرورة تعزيز القنوات الدبلوماسية بين البلدين، وتفعيل الأطر الدولية لتنظيم التجارة والتكنولوجيا بما يقلل من احتمالات الصدام، ويدعم بناء نظام عالمي أكثر استقرارًا وعدالة.
الكلمات المفتاحية: الصراع الأمريكي الصيني، الحرب التجارية، دونالد ترامب، الذكاء الاصطناعي، الثورة الصناعية الرابعة، الحزام والطريق، التكنولوجيا.
Abstract: This study analyzes the economic and technological dimensions of the U.S.–China conflict during the presidency of Donald Trump—a critical period that transformed the relationship between the two global powers into a multidimensional confrontation encompassing economics, technology, and politics. The research is based on the premise that the trade war that erupted in 2018 was not merely an economic dispute but rather a strategic struggle over leadership in the international system amid the Fourth Industrial Revolution. The study employs both historical and analytical methodologies: the historical approach to trace the evolution of U.S.–China relations since the Obama administration, and the analytical approach to interpret Trump’s protectionist policies and China’s countermeasures. The findings reveal that U.S. policies—particularly tariffs and sanctions imposed on Chinese technology and telecommunications companies—were designed to curb China’s technological advancement, while China responded by strengthening its Belt and Road Initiative and expanding its economic and military alliances. Results indicate that the conflict extended beyond trade to include dominance over advanced technology, artificial intelligence, and cyberspace, giving rise to a “new Cold War” between two divergent economic and political systems. The study concludes that the continued escalation between Washington and Beijing poses a direct threat to global economic stability and calls for more balanced strategies grounded in dialogue and cooperation rather than confrontation and rivalry. The research ends with key recommendations, including strengthening diplomatic channels between the two powers and enhancing international frameworks to regulate trade and technology, thereby reducing the risk of conflict and fostering a more stable and equitable global order.
Keywords: U.S.–China conflict, trade war, Donald Trump, artificial intelligence, Fourth Industrial Revolution, Belt and Road Initiative, technology.
المقدمة
تعد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين من أبرز المواضيع التي تحظى باهتمام متزايد في الساحة الدولية، بالنظر إلى تأثيرهما الكبير في الاقتصاد العالمي. فهما يمثلان معًا ما يقارب 40% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، ما يجعل أي تطور في علاقاتهما له تداعيات واسعة النطاق على المستوى الاقتصادي والسياسي. في هذا السياق، تركز هذه الدراسة على جوانب العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مع تسليط الضوء على التبادلات التجارية، التي تعد حجر الزاوية في هذه العلاقات، وعلى تطور النزاع التجاري بينهما، الذي نشب بشكل جلي في عام 2018.
لقد أخذ النزاع الاقتصادي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين طابعًا أكثر تعقيدًا مع تعمق الصراع في مجال التكنولوجيا، وهو مجال حيوي لكلا البلدين. حيث تمثل التكنولوجيا العالية أحد أهم عوامل القوة الاقتصادية في العصر الحالي، ما جعلها نقطة صراع رئيسية بين الطرفين. تهم الصين بسرقة الملكية الفكرية من الشركات الأمريكية، بينما تشهد الشركات الصينية، في المقابل، ضغوطًا مستمرة على صعيد العقوبات وحظر التعامل مع بعض الشركات الأمريكية.
ومع تصاعد الخلافات الاقتصادية بين البلدين، تتداخل هذه الصراعات مع العلاقات السياسية والثقافية. فالصراع بين النموذجين الصيني والأمريكي بات يعكس اختلافًا في الرؤى والمفاهيم السياسية: الصين تسعى لتعزيز نظام دولي متعدد الأقطاب يتسم بالعدالة والمساواة بين الدول، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها العسكري والاقتصادي باستخدام القوة الناعمة أحيانًا والصلبة أحيانًا أخرى.
يتضح أن أي تصعيد بين هاتين القوتين له تأثيرات كبيرة على الاستقرار الاقتصادي العالمي، لذا بات من الضروري أن يتسم التعامل بينهما بالحذر والتعقل، مع أهمية بناء قواعد واضحة وعادلة لتنظيم علاقاتهما الاقتصادية.
أولاً: أهمية البحث:
دراسة البُعد الاقتصادي والتكنولوجي في الصراع الأمريكي الصيني خلال إدارة دونالد ترامب تقدم رؤى عميقة حول تحول العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم إلى صراع متعدد الأبعاد. فقد كانت السياسات التي اتبعها ترامب، مثل فرض التعريفات الجمركية والقيود على الشركات الصينية، محورية في تصعيد النزاع التجاري والتكنولوجي. هذا الصراع كان له تأثيرات هائلة على الاقتصاد العالمي، حيث تضررت العديد من الأسواق التي تعتمد على التجارة مع الولايات المتحدة والصين. كما برزت التكنولوجيا كمجال حيوي، حيث حاولت الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها التكنولوجي في مواجهة التقدم الصيني. لذلك، فإن دراسة هذه الحقبة تساهم في فهم التحديات الاقتصادية والتكنولوجية التي تواجه العالم اليوم.
ثانياً: إشكالية البحث:
في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها العالم في العقد الأخير، برز الصراع الاقتصادي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين كأحد أبرز القضايا المؤثرة في العلاقات الدولية. تحت إدارة دونالد ترامب، تصاعدت حدة التوترات بين البلدين بشكل ملحوظ، خاصة في مجالي التجارة والتكنولوجيا، مما ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي بأسره. هذه الحرب التجارية والتنافس التكنولوجي لم تكن مجرد نزاع اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى صراع إستراتيجي على المستوى العالمي، يعكس تنافساً حول الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية في المستقبل. في هذا السياق، يبقى التساؤل الأهم: كيف أثرت السياسات الاقتصادية والتكنولوجية لإدارة ترامب على مسار الصراع الأمريكي الصيني، وما هي تبعاتها على الاقتصاد العالمي؟
ثالثاً: منهجية البحث:
منهجية هذه الدراسة تعتمد على تحليل متعدد الجوانب يجمع بين الأدوات النظرية والتطبيقية لفهم طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في سياق “البعد الاقتصادي والتكنولوجي”. سيتم اتباع المنهج التالي:
- المنهج التاريخي: دراسة تطور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في عهد الرئيس أوباما وترامب حتى الوقت الحاضر، مع التركيز على موجات التوتر المتتالية في العلاقات الثنائية.
- المنهج التحليلي: تحليل السياسات الاقتصادية والدبلوماسية لكلا الطرفين.
رابعاً: هيكلية البحث:
سوف نعتمد في هذا البحث على التقسيم الثنائي حيث سنعالج في المبحث الأول أسباب الصراع التكنولوجي والاقتصادي الصيني الامريكي، وفي المبحث الثاني سوف نتطرق الى تداعيات الحرب الباردة الجديدة على العلاقة الروسية الأوروبية.
المبحث الأول
أسباب الصراع التكنولوجي والاقتصادي الصيني الامريكي
يشهد العالم ثورة صناعية جديدة، تترأسها تقنيات الذكاء الإصطناعي والطابعات ثلاثية الأبعاد، وتقنيات الجيل الخامس للإنترنت، وتعد ثورة حديثة في تاريخ البشرية، سواء من حيث الكم أو من حيث الكيف، مثلما وصفها البروفيسور (کلاوس شواب (في كتابه الثورة الصناعية الرابعة، الصادر في العام 2017، فمن شأن هذه الثورة أن تعيد صياغة هياكل الإنتاج، وتغير موازين القوى، وتفتح الباب أمام علاقات صراعية عالمية جديدة.
وذلك قد لعب دوراً مهمّاً في دفع العديد من الدول المتقدمة، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة الأمريكية، لإعادة النظر في استراتيجيتها التصنيعية، من أجل المحافظة على الاستمرار في تقدمهما وتفوقهما، حيث أن من يقود تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، ستكون له اليد العليا في النظام الدولي، (سياسياً واقتصادياً وعسكرياً)، وهو ما جعل المنافسة بينهما كبيرة، غير أن هذه المنافسة تحوّلت إلى حالة صراع بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، بدايةً بالحرب الجمركية، مروراً باعتقال (منج وانزو)، ابنة مؤسس شركة هواوي، والمديرة المالية للشركة التي تعتبر من أكبر مصنعي التكنولوجيا الصينية في العالم، نهايةً بإثارة الاحتجاجات في هونغ كونغ، وأن التوتر المتصاعد بين الجانبين يعكس صراعًا على تشكيل النظام الدولي. فالولايات المتحدة تسعى إلى الإبقاء على الوضع القائم، حيث يمنحها تفوقًا استراتيجيًا، بينما تسعى الصين إلى إعادة صياغة قواعده، مؤكدة لواشنطن أنها لم تعد تخشاها أو تتعامل معها من موقف ضعف. ([1]). وبالتالي سنقوم فيما يلي برصد الأسباب المحرّكة للصراع بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، والتي من أهمها السيطرة التكنولوجية.
أولاً: رؤية كلتا الدولتين للأخرى:
في إطار العلاقات الدولية المعقدة بين القوى العظمى، سعى كل من الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما والرئيس الصيني الأسبق هو جينتاو إلى تعزيز التعاون بين بلديهما، حيث تم التوقيع على بيان مشترك في 19 يناير 2011 خلال زيارة الرئيس الصيني إلى واشنطن. هذا البيان حمل رسالة قوية حول التزام الطرفين ببناء علاقة إيجابية وشاملة تسهم في تعزيز الاستقرار العالمي. فقد عبرت الولايات المتحدة عن ترحيبها بالصين كقوة عالمية متزايدة الأهمية، تلعب دورًا حيويًا في الشؤون الدولية. من جانبها، أكدت الصين على دور الولايات المتحدة الحيوي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مشيرة إلى ضرورة التعاون بين البلدين لضمان السلام والازدهار في هذه المنطقة الاستراتيجية.
مع تطور العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية على مر السنين، بدأ النقاش يحتدم حول مصير هذه العلاقة، خاصة مع تزايد المؤشرات على حدوث تحول استراتيجي. فقد أشار العديد من المحللين والخبراء في كلا البلدين إلى أن المنافسة بين الصين وأمريكا أصبحت مسألة حتمية، ما أسفر عن تبادل مستمر للاتهامات والتحليلات من كل جانب. وفي هذا السياق، يعتقد بعض المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين أن السياسة الصينية تسعى لتحقيق هدفين طويلين المدى: الأول هو تعزيز النفوذ الصيني على حساب القوة الأمريكية في منطقة غرب المحيط الهادئ، أما الثاني فهو توحيد دول آسيا ضمن كتلة اقتصادية تخضع للسياسات الاقتصادية والخارجية للصين، مما يعكس طموحاتها في التأثير على المستوى الإقليمي والدولي بشكل عام، حيث ان الصين قد توصلت الى انه لا توجد قوة تحتفظ بمكانة متماسكة ومتوازنة على الساحة الدولية وفي مختلف مجالات النفوذ سوى الولايات المتحدة. فهي القوة العسكرية الأقوى عالميًا، ولا تزال تحافظ على مكانتها كقوة اقتصادية وثقافية رائدة ([2]).
في حين يرى بعض المفكرين الاستراتيجيين الصينيين أن الولايات المتحدة الأمريكية مصممة على إفشال صعود أي منافس لها على الزعامة العالمية، وبالتالي فإن استمرار التعاون بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية لن يخدم سوى هدف الأخيرة المتمثل في احتواء الصين.
داخل الصين، تتزايد الأصوات المطالبة بتبني نهج أكثر عدائية في مواجهة التحديات الإقليمية، وخاصة في محيطها الجنوبي. وفي هذا السياق، يعبر المحلل الاستراتيجي لونج تاو عن رأي مفاده أن الصين يجب أن تتبع استراتيجية عقلانية ومستقبلية، تتضمن التفكير بعناية مسبقة واتخاذ خطوات استباقية، بما في ذلك توجيه ضربات حاسمة قبل أن تتفاقم الأوضاع وتخرج عن نطاق السيطرة. كما يشير إلى أهمية شن معارك محدودة ومركزة يمكن أن تساهم في ردع الأطراف المعرقلة وتمنعهم من التصعيد أكثر في المستقبل.
ثانياً: السيطرة الرقمية مقابل الديمقراطية:
يحتمل أن يشهد الصراع بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تنافساً على أنظمة الحكم، وعلى القرارات السياسية للأنظمة والأفراد داخلها وفي الدول المتقدمة والنامية، من خلال تطوير تقنيات الذكاء الإصطناعي التي يمكن إستخدامها من قبل الحكومات لرصد سكنات مواطنيها، وفهم سلوكياتهم، والسيطرة عليهم على نحو غير مسبوق، حيث ابتكرت الصين نظام المراقبة (نظام جدار الحماية العظيم)، الذي انتشر على الإنترنت لينتقل بين الدول ذات التوجه الواحد، حيث انتقل إلى تايلاند، وفيتنام، وسيريلانكا، كما تم تزويد كل من إثيوبيا، وإيران، وروسيا، وزامبيا، وزيمبابوي، وماليزيا به.
وبالتالي وعلى الرغم من أن هذا النظام سيقلل من وجود المعارضة للأنظمة، وزيادة قبضة الأنظمة على المواطنين، كما سيقلل تأثير الخارج على داخل هذه الدول، فإنه سيكرس الإستبداد وتقييد الحريات الفردية، من وجهة النظر الغربية، وهو ما سيقابل برفض من قبل أمريكا والدول الغربية التي تطبّق الديمقراطية الليبرالية.
وقد وضّح المراقبون الدوليون بأن الحرب الإيديولوجية القادمة في النظام الدولي، ستكون بين السيطرة الرقمية والديمقراطية الليبرالية، بين الشرق بقيادة الصين من ناحية، والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، أي ستحدث مقابلة ايديولوجية بين الأنظمة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة، والأنظمة الشرقية التي تقودها الصين من خلال تقديم مشاريع ضخمة لتكنولوجيا المعلومات تشمل المجتمع، مثل مشروع ( جدار الحماية العظيم )، حيث يسمح هذا المشروع ببلوغ مستويات عالية من الرقابة المجتمعية الانتقالية، وفق تكلفة معقولة نسبياً، حيث ستكون الحكومات قادرة على مراقبة البيانات والسلوكيات بشكل انتقائي، مع ضمان الحد من المناقشات السياسية التي من شأنها أن تلحق الضرر بالنظام
تعكس المواقف الصينية الأخيرة إصرارها على حماية أمنها القومي وسيادتها على أراضيها، في تصريحات تبدو مشابهة إلى حد كبير لما صدر عن روسيا قبيل تدخلها العسكري في أوكرانيا. فكل من الصين وروسيا تعتبران نفسيهما في مواجهة النفوذ الغربي، مما يدفعهما إلى تعزيز تعاونهما المتبادل،([3]).
أعلى النموذج
أسفل النموذج
ومن المحتمل أن تنفق الدول المتقدمة والنامية، على امتلاك البرامج الرقابية والتأثير في المعارضة السياسية، وتقليل تأثير العامل الخارجي في داخل هذه الدول، وزيادة قبضة الأنظمة على المواطنين، أكثر من إنفاقها على البرامج الاقتصادية، وهو ما سينعكس سلباً على الأمن القومي للدول.
ثالثاً: قدرة الدولتان على امتلاك التكنولوجيا العسكرية:
في ظل التحولات العالمية المتسارعة، تظهر العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين كأحد المحاور الرئيسية التي تثير الكثير من الاهتمام والتوقعات. ففي الوقت الذي كانت فيه أمريكا تتمتع بتفوق عسكري واضح لعقود من الزمن، أصبح هذا التفوق مهددًا نتيجة للزيادة الكبيرة في القوة العسكرية الصينية. تقرير حديث أعده روبرت وورك نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق، إلى جانب مساعده ريج جرانت، ونُشر من قبل مركز الأمن الأمريكي الجديد، يعكس تلك التحولات، حيث يشير إلى أن الهيمنة العسكرية الأمريكية باتت في خطر مع صعود الصين المتسارع. يوضح التقرير أن الجيش الصيني بدأ منذ عقدين بالعمل على تقليص الفجوة العسكرية مع الولايات المتحدة، ما يعكس تقدمًا ملحوظًا في قدراتها العسكرية. ومن خلال استخدام الصين لشبكات التجسس الصناعي والتقني، استطاعت أن تقترب بشكل لافت من المستوى الأمريكي، لتتمكن الآن من امتلاك “القدرات السوداء” التي لا تكشف إلا في حالات الحروب، مما يثير القلق حول مستقبل القوة العسكرية الأمريكية في الساحة العالمية.
كما تستثمر كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والصين، بكثافة في تقنيات تفوق سرعة الصوت، وتم توجيه الإنفاق العسكري نحو استغلال نقاط الضعف في الولايات المتحدة الأمريكية والسيطرة على شرق آسيا، وتأمل بكين في أن تشكل أسلحتها التي تفوق سرعة الصوت عنصراً أساسياً في هذه الاستراتيجية التخريبية.
هناك نوعان من الأسلحة الفائقة الصوت، صواريخ كروز ومركبات الانزلاق، وكلاهما قادر على السفر بسرعة نحو ( 3800 ) ميل في الساعة، ويمكنه المناورة في أثناء الرحلة، مما يجعل من الصعب إسقاطها.
كما يوجد مشروع آخر يتمثل في سلاح (الضربة التقليدية الفائقة الضخامة)، حيث سيتم إطلاق صاروخ فوق صوتي من الجو، والذي سوف يوضع في الخدمة بحلول العام 2022، بينما تعمل وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للدفاع السرية أيضاً على سلاح الجو التصويري التكتيكي المنتقل.
رابعاً: القدرة على النفوذ في مناطق عدة:
إن الشكل المستقبلي للنظام العالمي سيكون مرهونًا بقدرة الدول الكبرى على الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على مناطق مختلفة من العالم. ومن أبرز المشاريع التي تعكس هذا التوجه الاستراتيجي هي مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها الصين. هذه المبادرة تمثل خطة طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية في العديد من الدول عبر بناء شبكة من البنية التحتية التي تربط الصين بعدد من المناطق الحيوية، وهو ما سيزيد من اعتماد هذه الدول على الاقتصاد الصيني، وبالتالي على قوتها العسكرية والسياسية. من جهة أخرى، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على ريادتها العالمية في نفس المجالات، ما يخلق بيئة من التنافس الشديد بين القوتين العظمى. وفي هذا السياق، يتوقع أن تتزايد بؤر الصراع بين الصين وأمريكا في مناطق استراتيجية مثل بحر الصين الجنوبي، وسط آسيا، أوروبا، أفريقيا، وأخيرًا أمريكا الجنوبية التي تشملها أيضًا مبادرة الحزام والطريق، مما يعكس التوترات المتزايدة التي قد تحدد ملامح النظام العالمي في المستقبل.
خامساً: السيطرة على الذكاء الاصطناعي:
تعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين حالياً هما القوتين الرئيسيتين في مجال البحث والتطوير فيما يتعلق بالذكاء الإصطناعي، على الرغم من أن سلطات الصين أكثر وعياً من الولايات المتحدة الأمريكية حيث يرى الكثير من المراقبين ان التنظيم الدولي بات مرتكزاً على أسس شبه احتكارية([4])، ففي السنوات الأخيرة، ركزت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مكثف على تطوير واحدة من أكبر القوى الأكاديمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو مجال يشهد تطورًا سريعًا، حيث يهيمن القطاع الخاص على جزء كبير من هذا التقدم. ومع ذلك، تتبع الولايات المتحدة هذه التطورات من خلال استثمارات عسكرية وأمنية ضخمة، حيث تعمل وكالات مثل وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة للمخابرات (DARPA) ووكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة على دمج الذكاء الاصطناعي في أطرها البحثية والتطويرية. هذه الخطوات تعكس الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي في تعزيز القدرات الدفاعية والاستخباراتية الأمريكية، وهو ما يجعل هذا المجال محط اهتمام كبير من قبل الحكومة الأمريكية على مستويات عدة.
منذ وصول الرئيس الأمريكي ترامب إلى السلطة، كانت تصريحاته تشير إلى عزمه على تطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي في خدمة تحسين الاقتصاد الأمريكي، فضلاً عن تعزيز الأمن القومي. ومع ذلك، على الرغم من تأكيده على أهمية هذا المجال، فقد تم تقليص حجم الاستثمارات المقررة لعام 2018 بنسبة 15%، مما أثار بعض القلق حول التزام الحكومة الأمريكية في هذا القطاع. في المقابل، اختارت الصين أن تستثمر بشكل كبير في الذكاء الاصطناعي، حيث بلغ حجم استثماراتها السنوية حوالي سبعة مليارات دولار، في إطار خطة عمل وطنية طموحة تهدف إلى إنشاء صناعة تقدر بحجم 150 مليار دولار بحلول عام 2030.
على الصعيد الآخر، تتبنى الصين وروسيا موقفًا معارضًا تجاه توفير شبكة إنترنت عالمية ومجانية بلا حدود، حيث تسعى الصين إلى استخدام قوتها الدبلوماسية للتأثير في المعايير التقنية العالمية. كما تروج لفكرة أن الحكومات المحلية يجب أن تمتلك سلطة التحكم في الإنترنت بطرق من شأنها الحد من حرية الفرد، وهو ما يعكس التوجهات الساعية للسيطرة على الفضاء الإلكتروني ضمن سياقات سياسية وأمنية محددة.
المبحث الثاني
مستجدات الصراع الاقتصادي التكنولوجي الصيني الأمريكي
ليس مفاجئا تصاعد الصراع الأمريكي –الصيني في العامين الأخيرين، أي في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ربما تجاوزت معدلات هذا التصاعد ومدى التوتر المترتب عليه معظم التوقعات، لكن تصاعد الصراع في حد ذاته كان متوقعاً، بل طبيعياً لسببين على الأقل، أولهما: أنّ الصين توظف منذ أواخر العقد الماضي ثمار تراكم نجاحها الاقتصادي بمزيد من النفوذ على الصعيد الإقليمي والدولي، والسبب الآخر أن تعارض المصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين لا بد أن يخلق صراعا قابلاً للتصاعد، ويمكن نظرياً أن يدفع العلاقات الثنائية في مسار صدامي . هذا أمر مفهوم حين تكون المصالح المتعارضة أكبر وأقوى من المصالح المشتركة، ولا يوجد بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين من المصالح المشتركة ما يدفعها إلى بذل أقصى جهد من أجل حل الخلافات التي تنتج عن مصالح أخرى متعارضة، أو احتوائها، لذا تضع الولايات المتحدة الأمريكية الصين في قائمة الخصوم التي تضم دولاً أخرى أهمها روسيا.
كما أن التحولات التي حدثت في النظام العالمي وأنماط التفاعل فيه خلال العقدين الأخيرين، جعلت بكين المنافس الأول لواشنطن في قمة هذا النظام، خاصة بعد أن أصبح الاقتصاد الصيني هو الأكبر بعد الاقتصاد الأمريكي، وصار السباق بينهما مفتوحا بلا حدود تمتلك الصين معظم المقومات التي تؤهلها لتكون قوة عظمى، وربما القوة الأبرز عالميًا، وفقًا للعديد من التقديرات. ([5]).
وتختلف حالة الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية على هذا النحو، عن حالات دول كبرى أخرى، إما بسبب الوزن النسبي لكل من المصالح المتعارضة والمشتركة، أو لوجود علاقات تاريخية وثيقة لدول مثل (بريطانيا ودول أوروبية أخرى على سبيل المثال)، أو لتوافر مقدار كبير، وليس كامل بالضرورة من الثقة المتبادلة (اليابان وكندا على سبيل المثال).
لم يكن متوقعاً في العقد الماضي، لهذه الأسباب ولغيرها، أن تزداد الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مثل بريطانيا واليابان وغيرهما، إلى مستوى يفتح الباب أمام تصاعد هذا الصراعيُعد الاقتصاد الصيني أكثر انفتاحًا مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، حيث تبنّت بكين سياسات اقتصادية مرنة تهدف إلى تعزيز التجارة والاستثمارات الدولية. وقد أسهم هذا الانفتاح في جعل الصين لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي، حيث ترتبط بسلاسل التوريد العالمية وتستقطب الشركات الأجنبية من مختلف القطاعات. ومع ذلك، فإن هذا الانفتاح الاقتصادي يترافق مع ضوابط حكومية صارمة تهدف إلى حماية المصالح الوطنية وضمان الاستقرار الداخلي، مما يخلق توازنًا بين التحرر الاقتصادي والسيطرة المركزية ([6]).
وبرغم تعدد أبعاد هذا الصراع، يعد النفوذ والتجارة البعدين الأساسيين فيه، ويتعلق النفوذ في هذا السياق بالمجال السياسي والعسكري، وهو يتداخل بالضرورة مع المجال التجاري في الصراع، وهذا تداخل طبيعي، لأنّ الصراع التجاري يرتبط بالسعي إلى زيادة النفوذ، سواء عبر تقوية الاقتصاد الذي يمثّل أحد أركان نفوذ الدولة وأداة رئيسية لدعمه في آن معاً، أو عن طريق إظهار القدرة على حماية مصالح الدولة التجارية وتوسيع نطاقها.
وبالرغم أن وزن التجارة في منظومة ما يسمى قوة الدولة الشاملة ومن ثم نفوذها، أصبح اليوم أقل مما كان عليه قبل عدة عقود، فلا تمثل التجارة الآن أكثر من (% 10) من التدفقات العابرة للحدود في العالم، بعد أن كانت نسبتها تزيد على النصف قبل ثلاثة عقود، فقد أدت ثورة الاتصالات، وتنامي الاقتصاد الرقمي إلى ازدياد مساحات التدفقات المالية والاستثمارية المختلفة على حساب التجارة التي تبقى لها أهميتها بطبيعة الحال).
تتبنى الإدارة الأمريكية، على غرار القوى الإمبريالية الحديثة، منظورًا يرى في سياساتها الخارجية انعكاسًا لرسالة أخلاقية تهدف إلى خدمة الآخرين. فهي تقدم تدخلاتها على أنها جهود لنشر الديمقراطية وتعزيز التقدم، انطلاقًا من قناعة ذاتية بأنها تحمل مسؤولية دفع الشعوب نحو التطور والازدهار في كل الأحوال يفيد التمييز بين التجارة الخارجية ومجالات النفوذ الأخرى هنا، في السعي إلى فهم المسار الذي يتوقع أن يمضي فيه الصراع الأمريكي – الصيني في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب([7])، وهذا ما سنبينه فيما يلي:
أولا: صراع النفوذ الأمريكي – الصيني:
يعود قلق الولايات المتحدة الأمريكية من تمدد الصين إقليمياً، وتوسيع نفوذها في شرق آسيا إلا أن هذا التمدد يمثل إضافة إلى رصيدها على المستوى الدولي، ويسهم في دعم نفوذها وتقوية مركزها في النظام العالمي، كما يرتبط هذا القلق بحرص الولايات المتحدة الأمريكية، على التخلي عن التزاماتها تجاه حلفائها وأصدقائها الذين يحدث التمدد الصيني على حسابهم.
وكان آخر مظهر علني للصراع الصيني – الأمريكي، الذي يدار بحذر في هذه المنطقة، دعوة وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية (مايك بومبيو)، دول جنوب شرق آسيا إلى التصدي لما سماه (الإكراه الصيني) خلال زيارته إلى تايلاند في 1/8/ 2019، وكثيرة الأدلة وليست المؤشرات فقط، على أن لدى الصين طموحات كبيرة على الصعيد الدولي، وأن هذه الطموحات آخذة في الازدياد على نحو لا يمكن إلا أن يقود إلى صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تنظر بعين القلق أيضاً ، إلى تداعيات مشروع الحزام والطريق أو ما يطلق عليه طريق الحرير الجديدة.
لطالما سلط المفكرون والكتاب الضوء على التناقضات العديدة التي يحملها النظام العالمي الحالي، حيث تُظهر السياسات الدولية ازدواجية في المعايير والتوجهات. ويتجلى هذا التناقض بوضوح في تعامل القوى الكبرى مع صعود الصين، إذ تُواجه بكين بمزيج من الشراكة الاقتصادية والضغوط الجيوسياسية. فمن جهة، تعد الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا للعديد من الدول، ومن جهة أخرى، تُعامل كمنافس استراتيجي يسعى الغرب للحد من نفوذه. هذا التباين يعكس إشكالية أعمق في بنية النظام العالمي الذي لم يعد قادرًا على استيعاب التحولات الكبرى دون صراعات أو توترات([8]).وهذا قلق طبيعي، بسبب ضخامة المشروع الذي يربط الصين بعدد متزايد من الدول، تمتد من آسيا إلى إفريقيا إلى أمريكا الجنوبية والوسطى، عبر طريق بريّة وسكك حديد وموانئ، على نحو يدعم قدراتها الجيوسياسية وليست الاقتصادية فقط، ولم تكتفي الصين بعد بالاتفاقات التي عقدتها مع هذه الدول، إذ تطمح إلى زيادة عددها تدريجياً كلما تقدم العمل في إنجاز مشروع الحزام والطريق، فهذا مشروع استراتيجي يحدث تغيراً من نوع جديد في خريطة العالم، ويمنح الصين نفوذاً غير مسبوق بدون أي تعديل في الحدود، أي أنه يغير في الجغرافيا الاقتصادية على نحو يؤثر بالضرورة في الجغرافيا السياسية، الأمر الذي يمثل تهديداً مستقبلياً لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي سيكون عليها السعي إلى التكيف مع وقائع جديدة تخلقها الصين، والتعامل مع منظومات طرق مختلفة في مناطق حيوية لهذه المصالح، وليس هناك ما يدل على أن لدى الولايات المتحدة الأمريكية خطة واضحة المعالم، لمواجهة التوسع المتوقع في نفوذ الصين جراء هذا المشروع، ولم يتبين بعد مدى جدية الحديث عن حوار تجرية مع دول، أبرزها استراليا واليابان والهند، لإقامة مشروع بنية تحتية دولية مشتركة لمنافسة المشروع الصيني.
ثانياً: الصراع التجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية: يرجع القلق الصيني إزاء الاستراتيجيات الأمريكية الهادفة إلى احتوائها، ليس فقط إلى رغبتها في الحفاظ على تدفق صادراتها وهيمنتها على الأسواق العالمية، بل أيضًا إلى مخاوف أعمق تتعلق بأمنها القومي ومكانتها الجيوسياسية. فالصين تدرك أن أي محاولات لتقييد نفوذها الاقتصادي تتجاوز مجرد المنافسة التجارية، إذ تمتد إلى محاولات لتقويض دورها كقوة عالمية صاعدة. ومن هذا المنطلق، تسعى بكين إلى تعزيز تحالفاتها الدولية، وتطوير قدراتها التكنولوجية والعسكرية، وإعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم مصالحها ويضمن استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي([9])، ليست جديدة الخلافات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، فعجز الميزان التجاري الأمريكي مع الصين مستمر منذ نحو عقدين، لأسباب تتعلق بمقومات اقتصاد الدولتين وسياساتهما وأولوياتهما.
لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعتقد بخلاف كثير من الاقتصاديين، في أن هذا العجز يعود إلى سياسات تجارية غير عادلة ألحقت الأذى بالصناعات الأمريكية والعاملين فيها، ودفعت أعدادا متزايدة من المنتجين إلى نقل مصانعهم إلى دول أخرى لتجنب الرسوم الجمركية المرتفعة، وليس فقط من أجل الانتفاع بالعمالة الأرخص، ثم إعادة تصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية المفتوحة أسواقها أمام السلع المستوردة، مما أدى إلى ازدياد العجز في الميزان التجاري الأمريكي، وضعف القدرة على خلق وظائف جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولذا تبنّى ترامب في حملته الانتخابية موقفا متشدداً في هذا المجال، ووعد بتغيير السياسة الخارجية الأمريكية، وإرغام شركاء الولايات المتحدة الأمريكية التجاريين، على تعديل سياساتهم أيضاً.
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة الإجراءات الحمائية هذه، وكان طبيعياً أن تردّ الصين بفرض رسوم مضادة على الواردات الأمريكية، على نحو أدى إلى تصاعد الصراع التجاري، واشتداد حدته، وازدياد احتمال تحوّله إلى حرب تجارية، قد تتضخم وتتجاوز الحدود التي ربما يرغب الأمريكيون والصينيون في عدم تجاوزها، وهذه مشكلة قرينة الصراعات التجارية التي تنطوي على حركية ديناميكية قابلة للتوسع على غير رغبة أطرافها، ما لم يمتلكوا إرادة قوية لوقف هذا التوسع، بخلاف الصراعات السياسية، التي يرتبط توسعها بقرارات تتخذ وتنفذ.
كما أن هذا التوسع قد يتجاوز الإجراءات الحمائية، ويؤثر في السياسات النقدية والمالية، الأمر الذي يجعله أشدّ خطراً([10]).
وقد ظهرت أولى تجليات هذا التوسع، في انخفاض العملة الصينية في نهاية الشهر السابع من العام 2019، إلى أقل من ساعة (يوانات) مقابل الدولار للمرة الأولى منذ الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في العام 2008، وعندما أقرّ البنك المركزي الصيني هذا الانخفاض، دخل الصراع التجاري مرحلة جديدة تنذر بتوسع نطاقه، واستخدام الأدوات التقنية والمالية فيه، إذا ثبت أن هذا الانخفاض كان تخفيضاً، أي حدث بشكل عمدي، وليس تغيراً تلقائياً، نتيجة متغيرات في الأسواق.
ثالثا: تصاعد حدة الصراع الأمريكي الصيني:
كان تصاعد الصراع الأمريكي الصيني متوقعاً حدوثه، انطلاقاً من نمط العلاقات الدولية، دولتان تفوق التناقضات بينهما المصالح المشتركة التي تجمعهما، دولة تسعى للبقاء في قمة النظام العالمي، ودولة تطمح إلى بلوغ هذه القمة، وتعمل بدأب وتخطيط سعياً للوصول إليها.
لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من تقليص النفوذ الإقليمي الذي حصلت عليه الصين، أو إضعاف حضورها في بحري الصين الجنوبي والشرقي، أو منعها من دعم وجودها فيهما، ولكنها ستسعى إلى وضع سقف لتوسع نفوذ الصين على حساب مصالح الدول التي تربطها بها علاقات قوية أو مصالح أساسية، ليس فقط لكي لا تظهر في صورة من يعجز عن حماية مصالح طفاءها وأصدقاءها في شرق آسيا، أو من يتخلى عن التزاماته في كل مكان، ولكن أيضاً لأن هذا التوسع يهدد النفوذ الأمريكي، والأرجح أن الصين تدرك هذا وتحرص بالتالي على توسيع نفوذها الإقليمي تدريجياً وببطء دون استعجال وبحذر دون تهور .
أما فيما يتعلق بالصراع التجاري، فالمتوقع أنه سيستمر في ظل حرص متبادل على عدم انفلاته، بالرغم من أن التطورات التي حدثت في صيف 2019، قد لا تدل على ذلك، إلى أن يتمكن الطرفان من التوصل إلى صفقة متكاملة لا بديل عنها، لأن هذا الصراع يبدو مثل نتوه غير طبيعي في العصر الراهن.
ولذا فالأرجح أن يوضع سقف للصراع التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، لأن تجاوزه معدلات معينة يلحق الضرر بطرفيه، فضلاً عن أنه صراع ينتمي إلى العصر السابق، وليس إلى عصرنا الذي يقوم على ازدياد في معدلات التعاون والاعتماد المتبادل، برغم تنامي نزعات شعبوية، تنهل من سخط قطاعات من الناخبين بسبب جمود المؤسسات السياسية، وتفاقم التفاوت الإجتماعي.
والأرجح أيضاً أن هذه النزعات لن تصمد طويلاً، لأن أضرار سياسات الإنغلاق والحماية ستظهر تباعاً، فهذه سياسات تضعف الصناعة المحلية، حتى إذا أفادتها في المدى القصير، لأن الشركات المحلية لا تستطيع أن تخطط للمستقبل في ظلها، فضلاً عن أن تكلفة الإنتاج تزداد كلما حدث توسع في فرض رسوم على الواردات من الدول الأخرى، لأن بعض هذه الواردات وأحياناً كثير منها سلع وسيطة ضرورية لاستمرار عجلة الإنتاج([11]).
ولذلك تُبدي شركات أمريكية قلقاً من الإجراءات الحمائية، الأمر الذي ظهر للمرة الأولى في آخر الشهر الثامن من عام 2019، عندما دعت غرفة التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى التحلي بالمرونة والجديّة لإيجاد مخرج يضع حدّاً للصراع.
وبدأت بعض هذه الشركات في التعبير عن القلق من هذه التداعيات، لأن التكلفة التي ستتحملها بسبب الرسوم الإضافية على منتجاتها التي يتم تجميعها في الصين، ستكون أكبر من أن يمكن تعويضها عبر رفع أسعار هذه المنتجات في حدود لا تضعف قدرتها على المنافسة.
ومن الصعب بالتالي التخيل بأن تلقى دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الشركات إلى إيجاد بديل عن الصين أذاناً صاغية
وبطبيعة الحال فإن فرض رسوم متزايدة على الواردات، يرفع أسعار المنتجات النهائية، مثلها مثل السلع الوسيطة، ويمثل عبئاً على المستهلكين الذين يتحملون الفرق في هذه الأسعار، خاصة أن معظم المصدرين لا يتحملون هذا الفرق إلا في حالة الضرورة لتجنّب انخفاض استهلاكها، وقد يؤدي هذا إلى خفض إنفاق المستهلكين، الأمر الذي قد يؤثر في مدى الرواج في الأسواق، ومن ثم في الاقتصاد، ويصبح دافعاً إلى ركوده، فضلاً عن أثره السلبي في دخل المستهلك وقد توقّع مكتب الميزانية في الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل في 21/8/ 2019، انخفاض الدخل الحقيقي لمتوسط الأسر الأمريكية بنسبة ( 0.4 %) في العام 2020.
وبالرغم من أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تمض قدماً، في تنفيذ التهديد الذي وجهته إلى الاتحاد الأوروبي في مجال العلاقات التجارية، وركّزت ضد الصين التي يرى الرئيس الأمريكي ترامب أنها مصدر التهديد الأول، فقد بدأ الصراع التجاري بين واشنطن وبكين يؤثر في بعض دول هذا الاتحاد، إلى جانب دول أخرى في مجموعة العشرين، وفق ما ورد في تقريرين متزامنين تقريباً، صادرين عن منظمة التجارة العالمية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في العام 2019، فقد تراجعت المبادلات التجارية بين دول العشرين، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية والصين بطبيعة الحال، في ظل توقعات بأن يتوسع نطاق هذا التراجع على المستوى الدولي.
والأرجح أن ازدياد تداعيات الصراع التجاري الأمريكي الصيني، وتوسع نطاقها سيدفع الدولتين إلى مراجعة بعض سياساتهما التي أججت هذا الصراع، خاصة حين يثبت بشكل قاطع، أنّه سيكون مؤثراً بقوة في كساد الاقتصاد العالمي.
فقد تبنت إدارة ترامب منذ عامها الأول، سياسية تصعيدية في المجال التجاري بالأساس، وشرعت قرب نهاية عامها الثالث في الإعداد للتصعيد في أحد جوانب المجال السياسي العسكري، عبر إلغاء العمل بمعاهدة الحد من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وفي تحول لافت على خارطة الطاقة العالمية، نجحت الصين في تجاوز الولايات المتحدة لتصبح أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. هذا الإنجاز يعكس النمو المتسارع للاقتصاد الصيني، حيث تتزايد احتياجاته من الطاقة لمواكبة التوسع الصناعي والتكنولوجي المستمر. علماً أن السبب الرئيسي للانسحاب من هذه المعاهدة كما أعلن الرئيس ترامب كان انتهاك روسيا لشروط هذه المعاهدة([12]).
ويرتبط هذا الإتجاه التصعيدي ضد الصين برؤية ترامب شخصياً، وبعض مستشاريه بخلاف موقف بعض أهم مؤسسات السياسة الخارجية والأمن القومي.
حيث يعتقد ترامب أن الصين هي مصدر التهديد الأكبر للمصالح الأمريكية، في حين ترى هذه المؤسسات أن روسيا لا تزال تعد الخطر الرئيسي على هذه المصالح، ولا يذكر ترامب الخطر الروسي، ولكنه يضعه في مرتبة أقل من التهديد الصيني، مثلما لا تنفي المؤسسات التي تختلف معه، أن ازدياد قوة بكين يهدد واشنطن، ولكنها لا ترى هذا التهديد وشيكاً، خاصة أن قدرات الصين العسكرية لا تزال محدودة مقارنة بالقوة الأمريكية.
الخاتمة
في الختام، يُظهر هذا البحث أن الصراع الأمريكي-الصيني يعد من أبرز التحديات الجيوسياسية في القرن الواحد والعشرين، حيث يؤثر بشكل كبير على الاستقرار العالمي في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن. من خلال تحليل التفاعلات بين القوتين العظميين، يتضح أن هذا الصراع ليس مجرد مواجهة اقتصادية، بل يتضمن صراعًا على النفوذ السياسي والتكنولوجي والعسكري. علاوة على ذلك، تتعدد أبعاد هذا الصراع من خلال التعاون والتنافس في مناطق مختلفة من العالم، مما يعزز تعقيد هذه القضية. ومن هنا، فإن التوصل إلى حلول دبلوماسية وتقليص التصعيد في هذا الصراع يعد أمرًا ضروريًا للحفاظ على النظام الدولي المستقر.
وفي نهاية هذا البحث فقد توصلنا الى مجموعة من النتائج والمقترحات والتي سوف نستعرضها على الشكل الاتي:
أولاً: الاستنتاجات:
- الصراع الأمريكي-الصيني يتجاوز الأبعاد الاقتصادية ليشمل مجالات تكنولوجية وعسكرية، مما يساهم في تفاقم التوترات الدولية.
- الحاجة الملحة لسياسات دبلوماسية أكثر فعالية لاحتواء هذا الصراع والحد من تأثيره السلبي على الاستقرار العالمي.
ثانياً: المقترحات:
- تعزيز الحوار بين الولايات المتحدة والصين على مختلف المستويات لتقليل سوء الفهم وضمان عدم التصعيد العسكري أو الاقتصادي.
- تبني سياسات تجارية قائمة على التعاون المتبادل بين الدول الكبرى بدلاً من تبني سياسات حمائية قد تؤدي إلى تفاقم الصراع والتوترات الاقتصادية.
قائمة المراجع
أولاً: الكتب القانونية:
- الحافي، محمد يوسف، الهيمنة الأمريكية على الأمم المتحدة ومستقبل الصراع الدولي (دراسة في فلسفة السياسة)، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان 2014.
- عبد السلام، رفيق، الولايات المتحدة الامريكية، بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، الطبعة الأولى، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، 2011.
- عزيزة، طارق، استراتيجية الولايات المتحدة في آسيا في ظل النهوض الصيني، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الدوحة، قطر، 2017.
- عطوان، خضر عباس، القوى العالمية والتوازنات الإقليمية، الطبعة الأولى، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2010.
- فرج، أنور محمد، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية (دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة)، الطبعة الأولى، مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، العراق، 2007.
- لومان، فرانسواز، الاقتصاد الصيني، ترجمة: صباح ممدوح كعدان، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، سوريا، 2010.
ثانياً: المجلات والدوريات:
- صايم، بدر، التنافس الصيني الأمريكي وتداعياته على النظام العالمي، مجلة حمورابي للدراسات، العدد 5، العراق، 2022.
ثالثاً: المواقع الالكترونية:
- جوانج، بان، الحضور الصيني في الشرق الأوسط، تحولات الدور والمصالح في الشرق الأوسط، تحولات المصالح والادوار والتحالفات، بحث منشور على الرابط الالكتروني الاتي: https://2u.pw/mtjWcm8y
- العزّي، غسان، سياسة القوة: مستقبل النظام الدولي والقوى العظمى، الطبعة الأولى، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والوثائق، بيروت، لبنان، بحث منشور على الموقع الالكتروني الاتي: https://2u.pw/VsSmnb
الهوامش:
-
() بدر صايم، التنافس الصيني الأمريكي وتداعياته على النظام العالمي، مجلة حمورابي للدراسات، العدد 5، العراق، 2022، ص262. ↑
-
() خضر عباس عطوان، القوى العالمية والتوازنات الإقليمية، الطبعة الأولى، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2010، ص36. ↑
-
() بدر صايم، التنافس الصيني الأمريكي وتداعياته على النظام العالمي، مصدر سابق، ص264. ↑
-
() محمد يوسف الحافي، الهيمنة الأمريكية على الأمم المتحدة ومستقبل الصراع الدولي (دراسة في فلسفة السياسة)، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2014، ص227. ↑
-
() غسان العزّي، سياسة القوة: مستقبل النظام الدولي والقوى العظمى، الطبعة الأولى، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والوثائق، بيروت، لبنان، بحث منشور على الموقع الالكتروني الاتي: https://2u.pw/VsSmnb تاريخ الزيارة: 4/2/2025. ↑
-
() فرانسواز لومان، الاقتصاد الصيني، ترجمة: صباح ممدوح كعدان، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، سوريا، 2010، ص91. ↑
-
() رفيق عبد السلام، الولايات المتحدة الامريكية، بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، الطبعة الأولى، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، 2011، ص68. ↑
-
() محمد يوسف الحافي، الهيمنة الأمريكية على الأمم المتحدة ومستقبل الصراع الدولي (دراسة في فلسفة السياسة)، المرجع السابق، ص228. ↑
-
() طارق عزيزة، استراتيجية الولايات المتحدة في آسيا في ظل النهوض الصيني، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، الدوحة، قطر، 2017، ص13. ↑
-
() أنور محمد فرج، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية (دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة)، الطبعة الأولى، مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، العراق، 2007، ص156. ↑
-
() رفيق عبد السلام، الولايات المتحدة الامريكية، بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، المرجع السابق، ص 67. ↑
-
() بان جوانج، الحضور الصيني في الشرق الأوسط، تحولات الدور والمصالح في الشرق الأوسط، تحولات المصالح والادوار والتحالفات، بحث منشور على الرابط الالكتروني الاتي: https://2u.pw/mtjWcm8y تاريخ الزيارة: 4/2/2025. ↑